الوصف

قد يكون هذا الكتاب بداية لسلسلة من الكتب التي تستهدف إعادة قراءة وتقييم التراث الديني، اعتمادًا على القرآن – والقرآن وحده – واستئناسًا بالعقل الخالص والمنطق المنضبط.

وأستهلّ ديباجة هذا الكتاب قائلًا: بوصفي أحدَ الذين حُرِمُوا أطايِبَ الحياة، والتمتُّعَ والتَّفَيُّؤَ في ظلّ الدوحة الوارفة لشريعتنا السمحة؛ وهو ما كان نتيجةً مؤسفةً ومحزِنة لتَغَوُّل وهيمنة الفكر الديني المتشدِّد عندما كنتُ فتًى يافعًا ممتلئًا بالحياة، مَطالِعَ الثمانينيات من القرن الميلادي المنصرم. وبعد أن شَبَبْتُ عن الطوق وقُطِّعَت عني تمائمي وأدركني عقلي؛ نِلتُ نصيبًا – لا بأس به – من القراءة والبحث والاطلاع، مُدَّةً نَيَّفَت على ربع قرن، وقد صاحَبَ ذلك الكثير من التدبُّر المُتأنِّي والتأمُّل العميق في النص القرآني المعظَّم، واتخاذه – هو وحده – حَكَمًا عدلًا وكتابًا مهيمِنًا وميزانًا بالغ الحُجَّة على الكم الهائل من مرويات التراث. بعد أن حدث ذلك؛ فقد اتضحت لي الصورة تمامًا، وأُضِيئَت بُقَعٌ كثيرة في عقلي كانت شديدة الإظلام.

واتِّكاءً على ما سبق وتأسيسًا عليه، فقد وجدتُ أن من واجبي، وبما تُحتِّمه عَلَيَّ أمانةُ القلم الذي أحمله، أن أَستَلَّ ذلك القلم – على هُزَالِه – وأغمسه في مِدَادٍ من الحب والنصح الخالص، لجميع أبناء وطني العظيم وبناته، ولمن مرّ بحال مماثلة من المسلمين، وأن أَشرَعَ في تأليف هذا الكتاب المتواضع، صابًّا فيه جامَ غضبي – فكرًا لا مجرد قول – على مَن سرق سعادتنا وبهجتنا، واختطف يُسرَ ديننا وسماحة شريعتنا الغرَّاء؛ ليُبْدِلنا بها معيشةً ضنكًا وخوفًا وقلقًا ورعبا وذُعرًا وهَلَعًا، في المَحْيا قبل الممات والمعاش قبل المآل. وهو واللهِ ما أدى إلى أن يقع الكثيرون، ضحايا للتنطُّع والتزمُّت غير المبرَّرَين، وأن يصبحوا نَهبًا للعِلَل النفسيّة والأمراض العصبية والوساوس القهرية، مع التغييب التامّ عن إدراك صدق مَن وصف ذاتَه العَلِيَّةَ بالرحمة والرأفة اللَّتَين لا منتهى لهما.

وإن من الثمرات المُرَّة لهذه الشجرة المتيبِّسَة، وأعني بها شجرة التشدُّد والتزمُّت، مساهمتَها – مساهمة كبيرة جدًّا – في انتشار وفُشُوّ ظاهرة الإلحاد والارتداد عن الدين، لا سيما بين أوساط الشباب؛ هربًا وفرارًا من أَتُون “الجحيم المقدَّس” الذي وجدوا أنفسهم مجبَرِين على العيش فيه. فكان الهيام في أودية الضياع الفكري وفقدان الهُويَّة الدينية والانتماء العقَدي، إحدى كوارث ودواهي وفَوَاقِر هذا المنهج الدوغمائي الإقصائي المتعصِّب وغير المتسامح على الإطلاق. وقد ذكرتُ ذلك في كتابي الموسوم بـ “وجحدوا بها” (وهو عن الإلحاد، وسيصدر قريبًا)، إذ تطرقت فيه – بشيء من التفصيل – لهذه الظاهرة المزعجة والمقلقة، بل والله والمحزنة لنا جميعًا، وأعني بها ظاهرة الرِّدَّة عن دفء الدين، وارتضاء صقيع الإلحاد ملجأً وملاذًا.

وأرجو ألّا يظن بي القارئ الكريم والقارئة الكريمة سُوءًا، فلن أَهجُرَ ولن آتيَ بساقط القول ومُسِفِّ الكلام، فهذا أمرٌ لا فائدةَ تُرجَى منه؛ ولكني سأمسك بالقرآن المعظَّم بِيَد، وبالعقل الخالص والمنطق المنضبط بِيَد، مستحضرًا ومستصحبًا: رحمة الخالق، وعظمة القرآن، ويُسرَ الدين، وسماحة الشريعة، وكمال الشخصية المحمَّدية المشرَّفة؛ لأجوس خلال تلافيف تلك الأدمغة ، فأَكشِفَ عَوَارَ المنهج الذي افتَأَتَ على الله ورسوله، وجَرُؤَ وتجاسَرَ على حقٍّ خالص لله وحده؛ لا يشاركه فيه نبيٌّ مُرسَل، ولا مَلَكٌ مقرَّب، ألا وهو حق التحريم والتشريع.

فقد زعم أولئك القوم، غاضِّين البصر والبصيرة عن الكثير من آيات الله البينات المحكمات، التي تظاهرت وتضافرت، على أن الرسول الأعظم والنبي الأكرم محمدًا – صلى الله عليه وسلم – لم يكن إلا رسولًا مُبَلِّغًا ونبيًّا موجِّهًا، وأَعْظِمْ بذلك شرفًا، ولكنه يكن مشرِّعًا؛ وذلك لسببين بَدَهِيَّين:

الأول: أن الله – جلَّت قدرته – لم يتعهَّد بحفظ أقوال النبيّ كما فعل مع القرآن. وعليه، فإنه لا يمكن أن يُضَمِّن سبحانه تلك الأقوال – التي تعرضت للتزييف والتزوير والدَّسِّ والافتراء عبر مئات السنين – أوامرَه ونواهيَه ومحرَّماتِه وشرائعَه؛ لأن الإله العادل تستحيل عليه محاسبةُ عباده على ما حَوَتْهُ تلك الأقوال ذات الثبوت الظني لا القَطعي، مهما قيل عنها.

الثاني: أن تلك الأقوال لم تكن وحيًا على الإطلاق؛ ذلك أن الحكيم لا يمكن أن ينزل وحيين، ثم يحفظ الأول ويهمل الثاني. كما أن مَن يُوحَى إليه لا يمكن أن يسهو وينسى فيعاتبه ربه على ذلك، كما حدث مع سيدي رسول الله.

وبناءً على ما تقدَّم، فإن المصدر الأوحد لكل ما يمكن أن يحاسبنا عليه إلهنا العظيم يوم الدينونة الكبرى والعرض الأعظم، هو القرآن المجيد لا غير. أما ما وصلنا من أقوال الرسول الأكرم – إن صحت نسبتها إليه – وقد تضمَّنت أمرًا ما؛ فهو على الاستحباب، وإن تضمَّنت نهيًا فهو على الكراهة؛ إذ إن الوجوب والتحريم يعتبران تشريعًا، وهو ما اختصّ به ربُّنا وحده لا يشاركه في ذك أحد كما أسلفنا.

المراجعات

لا توجد مراجعات بعد.


كن أول من يقيم “صوت آخر من خارج الصندوق”